ابن كثير

113

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا أي لا يموت أحد إلا بقدر اللّه وحتى يستوفي المدة التي ضربها اللّه له ، ولهذا قال كِتاباً مُؤَجَّلًا كقوله وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] وكقوله هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [ الأنعام : 2 ] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال ، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا العباس بن يزيد العبدي قال : سمعت أبا معاوية عن الأعمش عن حبيب بن صهبان ، قال : قال رجل من المسلمين وهو حجر بن عدي : ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النطفة - يعني دجلة - وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ثم أقحم فرسه دجلة ، فلما أقحم ، أقحم الناس ، فلما رآهم العدو قالوا : ديوان « 1 » فهربوا . وقوله وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره اللّه له ، ولم يكن له في الآخرة نصيب ، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه اللّه منها مع ما قسم له في الدنيا ، كما قال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى : 20 ] وقال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 18 - 19 ] ولهذا قال هاهنا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم . ثم قال تعالى مسليا للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قيل : معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير . وهذا القول هو اختيار ابن جرير « 2 » فإنه قال : وأما الذين قرءوا قتل معه ربيون كثير فإنهم قالوا : إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم ، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل ، قال : ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك ، لأنه قال : لو قتلوا لم يكن لقول اللّه فَما وَهَنُوا وجه معروف لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا ، ثم اختار قراءة من قرأ قتل معه ربيون كثير لأن اللّه عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمدا قد قتل ، فعذلهم اللّه على فرارهم وتركهم القتال ، فقال لهم أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم و انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ .

--> ( 1 ) أي شيطان . وهي كلمة أعجمية معربة . ( 2 ) تفسير الطبري 3 / 460 .